يُعد باب قنسرين أول باب من أبواب القبلة الجنوبية، وسمي بهذا الاسم لأنه يؤدي إلى جهة قنسرين، وكلمة “قنسرين” هي كلمة آرامية تعني “قن النسور”. يعود محله إلى زمن قديم قبل الإسلام، ويتألف الباب من أربعة أبواب: باب يلي المدينة، وباب يلي البرية، وبابان بينهما. تسمى قنسرين اليوم بمنطقة العيس.
قد يكون تم تجديد بناء الباب على يد سيف الدولة الحمداني، إذ كان بجانبه برج يحمل اسمه. كما جدد الملك الناصر يوسف الثاني بناء الباب سنة 654 هـ / 1256 م، ونقل إليه حجارة من أحد أبراج القصر الذي بناه سليمان بن عبد الملك في الناعورة، كما نقل إليه بابي الرافقة.
بُني على هذا الباب أبراج دفاعية محصنة تشبه القلاع، وأُقيمت فيه طواحين وأفران وجباب للزيت وصهاريج للماء، كما حُمل إليه السلاح.
كان باب قنسرين أول باب خربه التتار عند استيلائهم على مدينة حلب. وبعد خروجهم، أعاد الملك الظاهر بيبرس بناءه، لكنه نقل الحديد المصفح والمسامير منه إلى دمشق ومصر. وذكر المؤرخ الغزي الباب بقوله:
“هو أعظم الأبواب ومحله قديم قبل الإسلام، يتألف من أربعة أبواب: باب يلي المدينة وباب يلي البرية وبابان بينهما، وهو لصيق قلعة الشريف ولم يظهر من آثار أي ملك هو.”
كان هذا الباب يؤمن الاتصال التجاري لمدينة حلب مع المناطق القريبة والبعيدة. وحتى قبل هجوم المغول وتهديمهم لقسم كبير من حلب، كان يربط المدينة بضاحية الحاضر الكبيرة، التي كانت تعتبر مدينة ثانية مجهزة بكافة الوسائل الضرورية.
قامت مديرية الآثار بحلب بمساعدة مجلس المدينة بترميم الباب من الداخل والخارج للحفاظ عليه.
يمر عبر باب قنسرين محور يؤدي إلى باب جانبي للجامع الأموي الكبير، وكان هذا المحور يضم العديد من المدارس والمعابد والمساجد والحمامات وثلاثة خانات. في فترة المماليك، حافظ الحي على أهميته، حيث بنى الأمراء والأعيان قصورهم فيه، كما أسست فيه مؤسسات مثل البيمارستان الأرغوني في القرن الرابع عشر، وجامع كبير آخر قريب منه. في الفترة العثمانية، خصصت الخانات للفعاليات الصناعية أكثر منها للتجارية مثل صناعة الصابون.
أما الأهمية السكنية للحي الواقع على محور باب قنسرين – المدينة، فقد تضاءلت في الفترة العثمانية، حيث لم يعد السكان الأصليون يقطنون القصور والمنازل الكبيرة التي بُنيت بكثرة في القرن السادس عشر، وذلك بسبب تحول حي الفرافرة إلى مسكن السلطان من القرن السابع عشر وحتى بداية القرن العشرين.
كان في الحي مقام الشيخ خليل الطيار، وعلى أحد جدران باشورته الموجه جنوباً كانت مكتوبة العبارة:
“بسم الله الرحمن الرحيم فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحي الأرض بعد موتها ….”
غير أن عمارته تختلف عن الباب المذكور، لذلك لا يمكن الجزم بأن الباب من آثار السلطان المؤيد شيخ.
وعلى جدار الباشورة شرقاً قبالة الباب الخارجي، كان مكتوباً:
“أمر بعمارته مولانا السلطان الملك المؤيد المنصور أبو النصر شيخ في شهور سنة ثمان عشر وثمانمائة 1415م.”
وقد هُدم هذا الجدار سنة 1303 هـ / 1894 م، ونُقلت حجارته إلى الرباط العسكري المعروف برباط الشيخ يبرق.
وعلى جدار الباشورة الموجه غرباً، كان مكتوباً أيضاً:
“أمر بعمارته مولانا السلطان الملك الأشرف قانصوه الغوري عز نصره ودام اقتداره بمحمد وآله” بتاريخ شهر ربيع الآخر سنة سبع وتسعمائة 1501م.
عُثر عند باب قنسرين على حجر مكتوب عليه بالعبرانية شعر يقول:
“إذا كان الأمير وصاحباه و قاضي الأرض يُدهن في القضاء فَوَيل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء.”










